اسماعيل بن محمد القونوي
500
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
لما قيل من أنها كيف يكون للبيان وليس فيها ما يبينه فأجاب بأن له مبينا آخر عنه وقدم المبين للاهتمام وأن المبين في حكم المقدم وإنما جعلها متعلقا لمحذوف ظرفا مستقرا لاتفاقهم على أن من البيانية لا تكون إلا ظرفا مستقرا كذا قيل . قوله : ( وهذا إشارة إلى نوع ما رزقوا كقولك مشيرا إلى نهر جار هذا الماء لا ينقطع فإنك لا تعني به العين المشاهدة منه ) أي لفظ هذا ولا يبعد أن يكون إشارة إلى هذا « 1 » الذي ذكر في النظم إشارة إلى نوع ما رزقوا لا ما تقدمه في الجنة وقد أكل وفنى فإنه محال وكذا ليس إشارة إلى ما في الدنيا لأنه معدوم ثم أوضحه بقوله كقولك مشيرا إلى نهر جار فإن الموصوف بعدم الانقطاع هو النوع لا الشخص بعينه وبهذه القرينة يراد به الإشارة إلى النوع المتحقق في ضمن فرد فالإشارة إليه حقيقة لكن الصواب كونه مجازا لأنه وإن سلم وجوده في الخارج في ضمن الفرد الموجود بناء على رأي من ذهب إلى وجود الكلي الطبيعي لكنه ليس بمبصر ودعوى أنه محسوس في ضمن الفرد المحسوس خارج عن الانصاف وسلوك إلى الاعتساف والعلاقة الكلية والجزئية . قوله : ( بل النوع المعلوم المستمر بتعاقب جريانه ) استمرار النوع باستمرار تعاقب جريان بأن افراده لا يتعاقب جريانه ففيه مسامحة لظهور المراد . قوله : ( وإن كانت الإشارة إلى عينه والمعنى هذا مثل الذي ولكن لما استحكم الشبه بينهما جعل ذاته ذاته كقولك أبو يوسف أبو حنيفة ) أي أو إشارة إلى الشخص المعين وهذا مراده لكن غير العنوان للتنبيه على ضعفه كما نبه عليه بتأخيره وجه الضعف ما أشار إليه قوله : وهذا إشارة أي لفظ هذَا الَّذِي رُزِقْنا [ البقرة : 25 ] إشارة إلى النوع الذي تلك الثمرة المرزوقة الحاضرة عندهم فرد من ذلك النوع وإلا فتلك الثمرة ليست عين ما رزقوه في الدنيا كما في مثال النهر فإن المشار إليه وإن كان الماء المعين الحاضر المشاهد لكن المراد نوع الماء فإن ذلك الماء المشاهد ينقطع وينقضي من ساعته والذي لا ينقطع هو نوع الماء وفيه نظر لأن الإشارة إلى النوع بدون ذكره الوصف مع اسم الإشارة لم يعهد في كلام العرب قال بعضهم الإشارة الحسية النوع غير متصورة لعدم تحققه في الخارج فبطل قول صاحب الفرائد والإشارة إلى الشخص وإرادة النوع مجاز لأن الشخص يستلزمه وحمله صاحب الكشاف على التشبيه البليغ بحذف الأداة ووجه الشبه قال معناه هذا مثل الذي رزقنا من قبل بدليل قوله تعالى : وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً [ البقرة : 25 ] وقال وهذا كقولهم أبو يوسف أبو حنيفة تزيدانه لاستحكام الشبه كان ذاته ذاته وإنما احتاج إلى جعله من باب التشبيه البليغ لأن هذا إذا لم يذكر معه الوصف كان إشارة إلى المحسوس الحاضر وهو الذات الجزئية لا الماهية الكلية وأما إذا ذكر معه الوصف كما إذا قيل هذا الجنس وهذا النوع فلا يلزم أن يكون إشارة إلى محسوس وما ذكره صاحب الكشاف هو الوجه بقرينة قوله : وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً [ البقرة : 25 ] فإنه اعتراض مقرر أمر المعترض منه وقال الإمام لما اتحدا في الحقيقة وإن تغايرا بالعدد صح أن يقال هذا هو ذاك .
--> ( 1 ) فح فيه لطافة .